الفيلسوف الفرنسي مونتسكيو وواضعو نظريات العقد الاجتماعي.. لو شاهدوا خطابات بعض النواب لنسفوا كل نظرياتهم!
الفيلسوف الفرنسي مونتسكيو وواضعو نظريات العقد الاجتماعي.. لو شاهدوا خطابات بعض النواب لنسفوا كل نظرياتهم!// بقلم: انتصار الحسين // تُصرف ميزانيات فلكية، وتُسفك على عتبات البحوث والدراسات ترليونات الأموال لتقويم السلوك الإنساني وبناء وعي حضاري يليق بالدولة الحديثة. تتسابق الأمم في المحافل الدولية لاستعراض قاماتها في القانون، والسياسة، وإدارة المؤسسات، لكي نصل في نهاية المطاف إلى مشهدٍ يعتصر القلب سخرية وألماً؛ يطل فيه علينا من يُفترض به تمثيل الشعب في لقاء تلفزيوني، ليلخص مأساة وعي سياسي كامل بعبارة مستعارة من جلسات الدواوين: "السودة على صاحبها!".
لو قُدّر للفيلسوف الفرنسي مونتسكيو، أو لرواد نظرية العقد الاجتماعي مثل جان جاك روسو وجون لوك، أن يتابعوا هذا الطرح الإعلامي، لأصيبوا بذهول معرفي يدفعهم فوراً لتمزيق كتبهم ونسف كل نظرياتهم حول "فصل السلطات" وبناء الدولة. سيكتشفون بعد قرون من التنظير أن بنية الدولة ومؤسساتها الدستورية يمكن تفكيكها وتلخيصها في ثوانٍ معدودة بذهنية "العرف العشائري" .
هنا تحديداً تكمن الفاجعة؛ إن مثل هذا الطرح، بمحدودية فكره وعجزه عن الارتقاء بالخطاب إلى مستوى رجل الدولة، لا يعبر عن نضج تمثيلي حقيقي للشعب. كيف لوعي برلماني أن يسقط في وحل التبسيط الشعبوي ليدافع عن كيان سياسي تلاحقه الفضائح بمنطق تبريري بدائي؟ والمصيبة الأكبر لا تقف عند المتحدث وحده، بل تمتد لتشمل كل من يتبنى أو يمنح صوته لذات العقليّة المتكلسة التي ترى في مؤسسات الدولة مجرد امتداد للدواوين. إن اختزال أزمات الفساد السياسي بذهنية "فردية الجريمة" وفق الإسقاط القبلي هو إعلان رسمي عن إفلاس فكري لمن يتصدّر مشهد التشريع والرقابة.
يجب أن يعي أصحاب هذه الرؤية، ومن خلفهم الكتل التي تفرخهم، أن الحزب السياسي أو الحكومة ليست "ديواناً عشائرياً" يُدار بالفناجين وتطييب الخواطر. الحزب هو مجموعة من الأشخاص، يتزعمهم قائد، وثقت الناس فيهم ووضعت مقدراتها ومستقبل أبنائها تحت أيديهم بناءً على مبادئ، وبناءً على تفويض قانوني وأخلاقي متكامل. عندما تمنح الجماهير ثقتها لكيان سياسي، فإنها تفعل ذلك لتأسيس دولة قانون ومواطنة، لا لكي يقف ممثل هذا الكيان بكل بساطة ليقول        "السودة على راعيها"عند أول هزة أو كشف لملفات الفساد.
التهرب من المسؤولية التضامنية والأخلاقية للحزب عن سلوك أعضائه هو ارتداد نحو الفوضى وتخلي صريح عن منطق المؤسسات الحديثة.
المفارقة الساخرة أن هذا المنطق المتهافت يُسيء حتى لقيم العشيرة الأصيلة ويشوهها. ففي الأعراف القبلية الرصينة القائمة على التضامن وحفظ الحقوق، لا تقف العشيرة متفرجة وتنفض يدها ببساطة عند ارتكاب أحد أفرادها "سودة" أو جناية؛ بل يتحمل المقربون والعمومة التبعات القانونية والاجتماعية، ويسعون للصلح ويتكفلون بدفع "الفصل" المترتب على الجناية حمايةً للسلم الأهلي، ولا يُلجأ إلى "التبرية" أو إعلان رفع اليد إلا في حالات نادرة جداً ومقيدة بضوابط عرفية صارمة بعد استنفاد كل الحلول التضامنية. أما في الكيانات السياسية الهجينة، فالقاعدة تصبح منتهى الانتهازية: "المغانم والمناصب والامتيازات لنا جميعاً كحزب، أما الفضيحة والسرقة والمحاسبة فتقع على السارق وحده!".
إن تحويل المنبر البرلماني أو الشاشة التلفزيونية إلى ساحة لتسويق خطابات الترضيات العشائرية هو تراجع خطير يعزز سلطة اللا-دولة. لسنا بحاجة اليوم لترليونات التعليم والبحث إن كانت المخرجات تنتهي بنا إلى تمثيل يفكر بعقلية ما قبل قرون.إن بناء الدولة يبدأ أولاً بكنس هذه العقليات المتكلسة من قبة البرلمان، والوقوف بحزم ضد كل من يحاول رهن مصير الشعب ومقدراته بذهنية الفناجين وجلسات التراضي.
2026-07-15 11:32 PM1923