اغتراب الوعي الغض: معركة البراءة بين الاستلاب الرقمي والتهميش الإبداعي
اغتراب الوعي الغض: معركة البراءة بين الاستلاب الرقمي والتهميش الإبداعي // بقلم: انتصار الحسين//العراق //
في زوايا مدننا العربية المكتظة، وخلف الأبواب التي تُغلق على الحكايا، يباغتنا واقع مرير يمزق رداء الطفولة الناعم؛ أطفال في عمر الورد، وبدلاً من أن تحتضن أصابعهم الصغيرة أقلام التلوين وبراءات الألعاب، نراهم تائهين في قسوة الحياة. فمن طفل ينزلق في غيابات الجريمة والعنف، إلى آخر يلوذ بالانتحار هرباً من ثقل لا تطيقه سنواته الغضة. هذه المشاهد المفجعة التي تتناقلها الأخبار من هنا وهناك، ليست مجرد حوادث عابرة، بل هي صرخة مكتومة تعلن عن انكسار الجدار الآمن الذي كان يحمي الصغار من وحشة عالم الكبار.
ل
و التفتنا قليلاً إلى الوراء، إلى أجيال مضت، لوجدنا أن الطفولة كانت زمناً ممتداً، يُمنح فيه الطفل حقه الكامل في النمو الهادئ والنقاء الفطري. كانت حكايات الجدات وأفلام الرسوم المتحركة البسيطة بمثابة واحة دافئة، تزرع في النفوس قيم الشهامة، والصدق، ونصرة الحق. كان الطفل يعيش طفولته خطوة بخطوة، يكبر ببطء وسلام، ولا يستعير من عالم البالغين سوى أحلام مستقبله البعيد.
أما اليوم، فقد داهمنا زمن غريب تحول فيه الأطفال إلى ما يشبه "الكبار الأقزام". لقد اقتحمت الشاشات الرقمية وهج الحياة اليومية، وتسللت التكنولوجيا إلى عمق البيوت دون استئذان، لتسرق من الصغار ملامحهم العفوية. النماذج الحية نراها في كل مكان؛ في طفل يُدفع به إلى أرصفة الشوارع ليعمل ويواجه قسوة البالغين، وفي أطفال آخرين يُعرضون على منصات "الميديا" في البيوت المترفة كدمى مستغلة لحصد المشاهدات والأموال. لقد جُرد الصغير من خياله، وأُجبر على محاكاة لغة الكبار وحركاتهم، ليذبل النقاء الفطري قبل أوانه، وتتحول البراءة إلى عملة نادرة في سوق الاستهلاك السريع.
أمام هذا المشهد الذي يدمي القلوب، نتساءل جميعاً: من الذي تهاون حتى ضاع هذا النقاء؟
المسؤولية تتوزع بين أطراف عدة؛ أولها تلك البرامج والمنصات الرقمية التي تبث محتويات مشوهة، تدسّ السمّ في عسل الترفيه، وتخاطب غرائز الصغار قبل عقولهم في غياب تام للرقابة. أما الجرح الأعمق، فيكمن في بيوتنا؛ حيث نشأ نمط من التربية يكتفي بالهواتف الذكية كمربٍّ بديل، يسد رمق الطفل بالصور البراقة بدلاً من الحنان والحوار الواعي. يُترك الطفل لساعات طوال يرتشف وعيه من خلف الزجاج المعتم, ليشاهد ما لا يصح له رؤيته، فيكبر قبل وقته، ويتعكر صفو روحه النظيفة.
ولكن، حين نوجه أصابع اللوم إلى تراجع الدور الثقافي للمؤسسات الرسمية وإهمالها للإنتاج الموجه للطفل، يجب أن نصدح بحقيقة واضحة ومريرة: إن العلة في عالمنا العربي ليست عقمًا في الفكر أو غياباً للمبدعين. على العكس تماماً؛ إن أمتنا تزخر بنخبة من أرقى وأعظم الكتاب، والمسرحيين، والفنانين، والمتخصصين في أدب الطفولة، ممن يملكون الرؤية والقدرة على صياغة عقول الأجيال. لكن المأساة الحقيقية تكمن في أن هؤلاء المبدعين يواجهون جداراً من التجاهل، ولا يجدون يداً رسمية واحدة تمتد إليهم بالعون والدعم المادي والمعنوي ليرى نتاجهم النور. إن ترك هذه الطاقات الإبداعية في عتمة التهميش هو الخذلان الأكبر الذي جعل الساحة الفكرية فارغة لتملأها ثقافات دخيلة لا تشبه قيمنا.
إن العلة لا تكمن في "التكنولوجيا" كأداة، بل في غياب المضمون الرصين الذي يملأ فراغها. ولسنا هنا بصدد دعوة للانعزال عن العصر، بل نحن أمام ضرورة ملحة لترويض هذه التقنية بالحدود التي يستفيد منها الصغير دون أن ينحرف. إن أرضنا العربية غنية بإرث فكري وحضاري فريد، يمتد من فجر التاريخ إلى قيم المفاهيم الدينية السامية والمشتركة التي تجمع بين أبناء هذا الشرق. هذا المخزون ينتظر فقط أن تحتضنه المؤسسات لتمكن أولئك الكتاب والفنانين المتروكين بلا دعم، من تحويله إلى نصوص مسرحية، وقصص مصورة، وأعمال كارتونية وبرامج ذكية تُنتج بروح العصر وبأعلى مستويات الجاذبية البصرية.
حين نوفر الدعم لكتابنا ليفجروا طاقاتهم، ونقدم للطفل تاريخه وقيمه في قالب تكنولوجي ممتع ومنافس، فإننا نبني هويته ونعزز مناعته النفسية ضد التشوه. إنها معركة الوجود الحقيقية لمجتمعاتنا؛ فإذا فَقَدَ الطفل براءته وعفويته اليوم، فقد المجتمع هويته ومستقبله غداً. إنها دعوة صادقة لنستعيد المبادرة الثقافية، ونرفع المظلومية عن كُتّاب الطفولة، ونعيد للأطفال حقهم في اللعب، وفي الخيال، وفي النضج التدريجي الآمن.