بين تساؤلات الوعي ومناورات التأييد: لماذا الآن؟
الصفحة الثقافية
ـــــــــــــــــــــــــ
بين تساؤلات الوعي ومناورات التأييد: لماذا الآن؟
// بقلم: انتصار الحسين //
حين تُجمع الكتل السياسية وزعماؤها على إعلان دعمهم المطلق لقرارات رئيس الوزراء علي الزيدي، بالتزامن مع الحملة الأخيرة لإلقاء القبض على الفاسدين، لا يملك المواطن إلّا أن يقف متأملاً أمام هذا المشهد، وبداخله سيل من الأسئلة المشروعة التي تبدأ جميعها بكلمة واحدة: "لماذا؟"
لماذا انتظرتم حتى تحركت الأجهزة التنفيذية والقضائية لتعلنوا تأييدكم، ولم نشهد يوماً حزباً واحداً يمتلك الشجاعة لطرد فاسد من صفوفه، أو محاسبة مسيء ينتمي لكتلته؟ ولماذا بقيت بيوتكم السياسية حصينة ومغلقة بوجه المساءلة طوال سنوات، ولم نسمع عن حزب أقال وزيراً تابعاً له بتهمة التقصير، أو عزل محافظاً متورطاً بشبهة، أو سلّم مطلوباً طواعية؟
المفارقة هنا تبدو صارخة وتكاد تقترب من حدود اللامعقول؛ فلماذا يبدو الجميع في بياناتهم الرسمية صالحين ومصلحين، بينما تكشف عمليات الاعتقال الجارية عن شبكات فساد تنهش جسد الدولة؟ إذا كان كل الزعماء برآء ومؤيدين للحزم، فمن أولئك الذين يقبعون خلف القضبان اليوم؟ هل نُصدّق أن الفاسد هو هذا الشعب المسكين؟ الشعب الذي يُلام في كل محفل لأنه منحكم أصواته، وكأنكم تستهزئون بوعيه وبساطته، وتفترضون فيه محدودية التفكير والقدرة على التمييز.
يا هؤلاء، إن خلف كل ملف فساد ومبالغ مهدورة، هناك قصص بؤس إنسانية حقيقية؛ هناك مريض لم يجد دواءً في مستشفى حكومي، وأب عاجز عن توفير لقمة العيش لأولاده، وشاب ضاع مستقبله في طوابير البطالة. الفساد ليس أرقاماً في تقارير النزاهة فحسب، بل هو وجع يومي يعيشه الناس.
إن حملة رئيس الوزراء علي الزيدي تضع اليوم النقاط على الحروف، وتثبت أن الخلل لم يكن يوماً في وعي الشعب فحسب ، بل في غياب الإرادة الحزبية للتطهير الذاتي. إن توبيخ التاريخ لن يرحم المواقف الرمادية؛ والتأييد الحقيقي لخطوات الدولة لا يكمن في مباركة الاعتقالات بعد حدوثها لالتقاط الأنفاس السياسية، بل في امتلاك الشجاعة